أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

70

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وادّعى الفراء أن في الكلام حذف مضاف تقديره : « إن اللّه اصطفى دين آدم » . قال التبريزي : « وهذا ليس بشيء ، لأنه لو كان الأمر على ذلك لقيل : « ونوح » إذ الأصل : دين آدم ودين نوح ، وهذه سقطة فاحشة من التبريزي ، إذ لا يلزم أنه إذا حذف المضاف بقي المضاف إليه مجرورا حتى يردّ على الفراء بذلك ، بل المشهور الذي لا تعرف الفصحاء غيره إعراب المضاف إليه بإعراب المضاف حين حذفه ، ولا يجوز بقاؤه على جرّه إلا في قليل من الكلام بشرط ذكر في النحو ، وسيأتي لك في الأنفال ، وكان ينبغي على رأي التبريزي أن يكون قوله تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ « 1 » بجر « الْقَرْيَةَ » لأنّ الكل - هو وغيره - يقولون : هذا على حذف تقديره : « أهل القرية » . و « عِمْرانَ » اسم أعجمي . وقيل : عربي مشتق من العمر ، وعلى كلا القولين فهو ممنوع الصرف : إمّا للعلميّة والعجمة الشخصية ، وإمّا للعلمية وزيادة الألف والنون . قوله تعالى : عَلَى الْعالَمِينَ متعلق باصطفى ، فإن قيل : اصطفى يتعدّى بمن نحو : « اصطفيتك من الناس » فالجواب أنه ضمّن معنى « فضّل » أي : فضّلهم بالاصطفاء . قوله تعالى : ذُرِّيَّةً : في نصبها وجهان : أحدهما : أنها منصوبة على البدل ممّا قبلها ، وفي المبدل منه على هذا ثلاثة أوجه : أحدها : أنها بدل من « آدَمَ » ومن عطف عليه ، وهذا إنما يتأتى على قول من يطلق « الذرية » على الآباء وعلى الأبناء ، وإليه ذهب جماعة . قال الجرجاني : « الآية توجب أن يكون الآباء ذرية للأبناء والأبناء ذرية للآباء ، وجاز ذلك لأنه من « ذرأ الخلق » فالأب ذري منه الولد ، والولد ذري من الأب » . وقال الراغب : « الذرية تقال للواحد والجمع والأصل والنسل ، كقوله : حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ « 2 » أي : آباءهم ، ويقال للنساء : الذّراري ، فعلى هذين الوجهين يصحّ جعل « ذُرِّيَّةً » بدلا من آدم ومن عطف عليه . وقال أبو البقاء : « ولا يجوز أن يكون بدلا من آدم لأنه ليس بذرية » وهذا الذي قاله ظاهر إن أراد آدم وحده دون من عطف عليه ، وإن أراد آدم ومن ذكر معه فيكون المانع عنده عدم جواز إطلاق الذرية على الآباء . الثاني من أوجه البدل : أنها بدل من « نوح » ومن عطف عليه ، وإليه نحا أبو البقاء . الثالث : أنها بدل من الآلين : أعني آل إبراهيم وآل عمران ، وإليه نحا الزمخشري ، يريد أن الآلين ذرية واحدة . الوجه الثاني من وجهي نصب « ذُرِّيَّةً » : النّصب على الحال ، تقديره : اصطفاهم حال كونهم بعضهم من بعض ، والعامل فيها : اصطفى . وقد تقدّم القول في اشتقاق هذه اللفظة ووزنها ومدلولها مشبعا فأغنى عن إعادته « 3 » . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 35 ] إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 35 ) وقوله : بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ هذه الجملة في موضع النصب نعتا لذرية . قوله تعالى : إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ : في الناصب له أوجه :

--> ( 1 ) سورة يوسف ، آية ( 82 ) . ( 2 ) سورة يس ، آية ( 41 ) . ( 3 ) انظر ما تقدم ، آية ( 124 ) من سورة البقرة .